الهوية المشتركة… مقاربة في فهم الثقافات المتوسطية

محاضرة عبدالمنعم المحجوب في الدورة الصيفية السادسة عشر لمدرسة فايسغراد، 2- 15 يوليو 2017، بمدينة كراكوف

أهلا بكم جميعاً، شكراً لكم على الحضور، وأحيي هذا الاهتمام.

موضوع هذا اللقاء هو مفهوم الهوية، وسأبدأ بأن أشارك معكم تجربة خاصة أمارسها كل يوم، وهي تجربة ملوّنة، كما يمكن أن أصفها. أنا لست أبيض، لست أسود. عندما كنت صغيراً اعتادت جدّتي أن تدعوني «الأصيفر»، ولكنني لست أصفر أيضاً. صديقي «بيني» من غانا قال لي أنني عندما كنت في الفرن الأول للآلهة خرجت «نصف مطهوّ» أو «نصف مستوٍ»، أما الأفريقي فهو «مطهوٌّ جيداً»، الأوروبي بالتالي ما زال «نيّئاً». صديق آخر من شعب «سو» Su، وهو من السكان الأصليين للولايات المتحدة، الذين تصفونهم باللون الأحمر، اعتاد أن يضحك معي ويقول: أنت Somatha، توقّعتُ أنها كلمة بلغته المحلية، لكنه قال: لا هي ليست كذلك. قلت له: ماذا تعني بحق السماء؟ فقال لي: you’re Somatha… some of this some of that (أنت قليل من هذا قليل من ذاك).

هل يمكن للبشرة أن تمنح الإنسان هويته؟ إن معرفة البشرة، وملامستها، وشمّها، والشعور بها واللعب معها.. مظاهر لتمييز الهوية. فهل يمكن للهوية أن تكون ملوّنة؟ ربما نعم، ربما لا. أقول لكم، وقد أكون مصاباً بعمى الألوان، لا. الهويّة لا تكون ملوّنةً أبداً.

سؤال الهويّة

قبل كل شيء أود أن اسأل سؤالاً مهماً في عالم اليوم: ما هي الهوية؟ هل تعتمد على كيف يعرّف كل شخص نفسه؟ هل هي شيء يمتلكه الإنسان؟ أم أن كل البشر يتشاركون مفهوماً واحداً مع عدد غير محدود من الأشكال اعتماداً على الوجود اللا محدود على الأرض؟ بكلمات أخرى: هل الهوية موضوعُ تعريفٍ له عدة مستويات؟ أهناك فرق بين الهوية الشخصية والمستويات الأخرى؟ وإذا استطعنا أن نفصل بين هذه المستويات ونقسمها إلى شخصية وجمعيّة واجتماعية وثقافية وعدديّة ودينية ووطنية… إلخ. فما هي الحدود التي تفصل هذه المستويات؟ وكيف تتفاعل؟ وما هي المعايير التي تُقاسُ بها؟

هذه الأسئلة قديمة بعض الشيء، وهي متوزّعة بين عدة حقول، لنفكّر بطريقة بينيّة Interdisciplinarly، أسئلة مثل هذه تبدو قابلة لإعادة التفكير في أي وقت أردنا فيه أن نحدّث أو نفعّل فهمنا للأشياء المحيطة بنا.

دعونا نتعامل مع مفهوم «الفرديّة» ونسائل الإحداثيات التي تحدّد وجود الأفراد، بمعنى: عيشهم، عملهم، سلوكهم، تفكيرهم، وتأملّهم.. وهكذا.

هل يستطيع أي شخص أن يغيّر هويته؟ هل بالإمكان اختيار الملامح التي تحب أن يراك الآخرون من خلالها؟ وهل تستطيع التحكم بعملية تشكّل الهوية التي تحدّد ملامحك بالنسبة للآخرين؟ والعكس صحيح. أتوجد أشياء غير قابلة للتغيير؟ أعني تلك الأشياء المرتبطة بمعرفة الذات والقرار الذاتي تحت طائلة الإرادة الحرّة.

لن نتتبع هنا مقاربات فلسفية وسيكولوجية محدّدة لندعم بحثنا عن إجابة نهائية. دعونا نحاول أن نكون متحررين فكرياً – من جهة الوصف الإبستمولوجي – بينما نحن نتعامل مع السؤال. فقط لا تنجرفوا بعيداً، وحاولوا أن تحافظوا – أثناء ذلك – على صلتكم بالحياة اليومية، لتقودكم أفكاركم وحاجاتكم، لا لتدعموا بعض النماذج كما تفكرون بها، وهي التي تعبّر عن تصوراتكم الخاصة، والتي تتطلعون من خلالها إلى المستقبل بالاعتماد على تجارب الماضي، ولكن لتنظروا إلى الأمام في إطار ممارسة متحررة.  الأفكار والحاجات باعتبارها مجالاً فردياً يستطيع كل إنسان أن يتحكم به وأن يوجّهه لفهم وتطوير حياته الخاصة. نستطيع أن نبدأ من معرفة أننا نحيا في إحداثيات محدّدة من الزمان والمكان، وصولاً إلى فهم حقيقة الوجود ككائنات حية والشعور بذلك.

بالنسبة للأفراد ربما نتحدث عن «مكان» و«زمان» محدّدين، لكن إذا قمنا بحركة متعالية أو ترانسندنتالية – كما أفضل أن أقول لتجنّب مغالطات تتعلق بظواهر اجتماعية محددة – أمكننا الحديث عن مجالات أو نطاقات «التاريخ» و«الجغرافيا» بالنسبة للشعوب والأمم. الهوية إذا كانت شيئاً يجب أن يوجد ستكون مرتبطةٌ إذن بشكل عام بمثل هذه الإحداثيات، لكن إذا فكّرنا في قابلية هذه الإحداثيات لأن تكون متغيرة في العموم، ألن نقول نفس الشيء عن هويّة فرديّة متخيّلة؟

صارمٌ وهشٌّ

لا توجد هويّة صارمة أبداً. هل نستطيع أن نميّز هوية صلبة أو عينيّة؟ الحقيقة إن حدود الهوية تبدو طيفاً متخيّلاً، ونستطيع أن نتخيل هويات مختلفة في أي مكان وفي أي زمان. ولكن أحداً منا لن يكون متأكداً مما يفكر فيه.

في كتابي الصغير «سؤال الكيان» (المحجوب، 25) تحدثت عن الهويّة Identity باعتبار أنا «طَفْحٌ». وأنها تجلٍّ إقليمي للكيان Entity. (أو هي الكيان عندما يتجلى إقليمياً) وبشكل فيه الكثير من المفارقة فإننا، نحن البشر، لسنا هنا سوى هذه السابقة اللغوية id، بينما نحن نطفو هنا وهناك لنشغل فضاءً غير متاح على سطح الأرض. نحن البشر نمثّل مساحات مسطّحة نعتقد أننا نمتلكها، كلّ منا يعتقد ذلك، ولكن ماذا يعني – من الناحية الإنسانية – أن تكون سَطْحاً، أو جزءا ضئيلاً، متأصّلاً، إثنياً من كيانٍ ما؟

قلت ذلك لأحدّد هذه الـ ID [وهي اختصار في اللغات الأوروبية للهوية الشخصية] في مكان وزمن ما، وبكيفية ما. نحن هنا نتعامل مع نوع من «الفَيْض» [أستخدم الكلمة بالمعنى الحرفي، كأن تقول: فاضت الكأس]، مع نوع من «فائض» لا يتم استيعابه في فضاء كيانٍ ممكن.

هذه الـ ID التي تتصدّر ENTITY هي عَرَضٌ، إنها سابقةٌ لغوية لها سلوك طفيليّ تقتات وتعيش على وجود الإنسان نفسه، وهي تمتصّ العالم الاجتماعي بأسره، وتتصادم مع الحاجات الضرورية للحياة، وتتعارض مع حرية الإنسان. إنها تمتصّ حقوق الإنسان وتعيد إنتاجها. يجب تحرير حقوق الإنسان إذا أردنا ممارسة اختياراتنا والتمتع بها. والسؤال: هل هذا ممكن فعلاً؟ ستكون إجابته دائماً: نعم، نعم إذا كانت الهوية قابلة للتغيير، والتحويل، وإعادة التشكّل. الإنسان الذي لا يتغيّر لا يمكن أن يكون إنساناً. لن يتغيّر ما به حتى يتغيّر هو نفسه. المجتمعات ليس بإمكانها أن تكون جامدةً وثابتة دون حراك. الحراك الاجتماعي يخلق مختلف القيم من زمن إلى آخر،  بعض هذه القيم تبدو ثابتةً، ولكن إعادة التفكير بها يجعلنا دائماً نكتشف تغيّرات بسيطة تعمل خلال هذه القيم، وهذه التغيرات تجدّد القيم نفسها وتقود إلى مستوى جديد بغض النظر عن التسميات والاصطلاحات التي تبدو دائمةً وغير متغيرة. أليست اللغة هي مسكن الوجود؟ هيدغر قال ذلك. اللغة المتوترة والدائمة تحتاج إلى جغرافيا مرنة لتتفاعل معها. نحن البشر نمثل تلك الوحدات المتناثرة (المشذّرة) التي تحتاجها هذه الجغرافيا المرنة لتتشكّل وتعمل، ونحن نقوم بذلك من خلال ارتباطنا والتزامنا بهوياتنا الشخصية؟

هنا والآن Now & Here ذلك يعني لا مكان Nowhere نذهب إليه أبعد من الأرض، ليس أمامنا إلا الحقول والمجالات التي نشغلها فعلاً ونحن نقوم بتشكيل هذا العالم. القوى التي نمثلها لا تعبّر عن أكثر من ذلك. الهوية – إذا استرشدت بفردريك نيتشه في العلم المرِح Gay Science – هي تفاعل هذه القوى. التفاعل المتغيّر دائماً بعيداً عن التحيين في مقاربة المعاني التي من الممكن أن نضفيها على العالم الراهن. سوف أستخدم هذه المقاربة للحديث عن تجربة شمال إفريقيا التاريخية، بدءاً من مكوّناته غير الاعتيادية، وهي مكونات مجهولة في الغالب.

تجربة

نستطيع الحديث عن مصادر مختلفة من الشرق والجنوب قادت إلى بداية الحضارة في شمال إفريقيا، لكنني أفكر أن ثقافة هذه المنطقة هي نتاج رئيسي لأحداث تاريخية بدأت منذ القدم وحتى بداية العصور الوسيطة في المتوسّط وشمال إفريقيا. الهوية الثقافية المشتركة لم تكن إلا نتاجاً لممارسة التعددية الثقافية جيلاً إثر جيل، وعبر قرون طويلة.

إنني أتحدث إليكم كمواطن ليبي من شمال إفريقيا، وأنا أعرف ماذا يعني ذلك تماماً لآخرين من أوروبا. الليبيون من وجهة نظر تاريخية وثقافية شعب شمال إفريقي، وقد وُجدوا في موقع وسط بين السود جنوباً والبيض شمالاً. ربما لهذا السبب البيئي يحتفظون بلونهم المدبوغ هذا. ولكن هذه السمة ليست جديدة أو حديثة، فالليبيون في الواقع خاضوا تجاربهم منذ أن عرفهم الفينيقيون ومنذ أن غزا الرومان السواحل الليبية وحاولوا الانتشار في عمق الأرض الإفريقية الغامضة وغير المعروفة.

سوف أتجاوز الآن الأصول التي أعتقد أنني شخصياً أقرب إليها، أعني الكنعانيين (الفينيقيين) الذين أعطوا شمال أفريقيا دوره الحضاري والثقافي. الرحالة الفينيقيون، المؤسسون الحقيقيون، هم في الواقع أول من أنشأ ما كان يعرف حرفياً آنذاك بالمدن الليبية–الفينيقية Libophoenician، وقاموا بخلق أول كيان متصل ومترابط. سأذهب إلى الأصول التي تعتقدون أنكم أقرب إليها، أعني الإغريق والرومان.

ليبيا القديمة، في شمال المتوسط الذي تنتمون إليه، لها سجل تاريخي حافل. اسمها بارز في الميثولوجيا الإغريقية، فهي ابنة إيبافوس Epaphus، ابن زيوس Zeus، الذي حكم مصر، وهذه الأميرة هي التي منحت اسمها للأرض المعروفة في شمال إفريقيا بعد أن اختطفها الإله بوسيدون Poseidon، وقد كان من أصل ليبي أيضاً. وفي الميثولوجيا الرومانية تزوجت ليبيا نبتون Neptune وأنجبا ابناً هو بوسيريس Busiris الذي أصبح ديكتاتورا طاغية حكم مصر العليا. (Boccaccio, 24-25)

عندما قام الإغريق بالاهتمام بليبيا واستغلالها كانوا أكثر توسّطاً مع السكان المحليين. احتلوا برقة وقسموا ليبيا إلى قسمين: ليبيا العليا، وتعني «الحلفاء»، وليبيا السفلى: وتعني «الأعداء» بالطبع. وحاول كل جزء أن يرتبط ويحتمي بقسمه وأن يحافظ على عدم تأجيج الصراع ما أمكن.

مع الرومان الذين أصبحوا قوة لا تضاهى في المتوسط، وسيطروا على اسبانيا وصقلية وسردينيا وكورسيكا، وهزموا الإغريق، تم توحيد منطقة شمال إفريقيا بأكملها للمرة الأولى في التاريخ. ومع الرومان في الغرب والإغريق في الشرق أصبحت ليبيا بلداً «إغروماني»Greco-Roman  (إغريقي –روماني) متكاملاً. وخلال هذه الفترة جرّب الليبيون نظاماً للحكم بعد القبلي post-tribal regime للمرة الأولى في تاريخهم، لقد تمت رومنة السكان المحليين.

الجيوش الإمبراطورية الرومانية كسبت معظم – إن لم يكن جميع – حروبها وانتشرت في شمال إفريقيا بأكمله. عملية الرومنة بدأت بشكل تدريجي، لا كنتيجة للعنف والغزو، ولكن كنتيجة متزامنة لمجموعة من المصالح في الزراعة والتجارة والتعليم والمعمار وتأسيس المدن الجديدة. «في 416 بينما كان أغسطين يلقي خطبة وعظية عن المزامير في قرطاج (الرومانية آنذاك) سأل الحاضرين: مَن يعرف مَن مِن أمم الإمبراطورية الرومانية، وقد أصبح الجميع – كما يدعون – رومانيين؟» (Conant, introduction)، ولسوف يمر وقت طويل قبل أن تضمحل وتضعف هذه المصالح بقدوم الوندال.

الوندال، الذين غزوا في القرن الخامس الميلادي بلاد الغال واسبانيا وشمال إفريقيا حلّوا محلّ الرومان واستقروا في طرابلس. كان الوندال جرمانيين، وآمنوا بالأريوسية وهي مذهب مسيحي. مؤسس الأريوسية كان القسيس أريوس (Alister, 271) وهو من أصل ليبي. التاريخ الذي نتعامل معه يتميز بالمفارقات ولا يمكن تصديقه! لكن هذا التراث التاريخي المركّب هو أيضاً مصدر حقيقي يمنحنا رؤية أخرى لإعادة التفكير والعمل من جديد. أدعو إلى إعادة قراءة تاريخ الوندال الذين احتلوا البلاد لمائة سنة متواصلة.

استمرارية التاريخ تنعكس بوضوح على أوروبا، لكن التاريخ في شمال إفريقيا يبدو مشذّراً حتى بداية القرن الثامن عشر، وليس هناك أسباب واضحة لهذا التعافي، لأن شمال إفريقيا والقارة السوداء استقبلا طوال سنوات القرن التاسع عشر شكلاً جديداً من أشكال «الاسكتشافات» الأوروبية. جالَ هنا الرحالة والمستكشفون والأنثروبولوجيون والإرساليون. لقد كانت تلك هي مقدمة الاستعمار الحديث وبداية الكولونيالية الغربية. كانت أيضاً مرحلة جديدة للقاعدة الصعبة غير المقبولة التي تقول: تاريخ الجنوب يُكتب دائماً في الشمال.

مثال

رومنة الأفارقة على الضفة الثانية من المتوسّط كانت نوعاً من التحوّل في الهوية الثقافية، أو كانت عملية اجتماعية وسياسية واقتصادية جديدة لا يمكن فهمها إلا في إطارها الثقافي. لقد امتدّت على ساحل إفريقيا الشمالي، أي ولاية إفريقيا الرومانية. وكان ذلك نتيجة للاحتلال الإمبراطوري بالطبع، لكن سمات هذا التحوّل لم تكن عسكريةً أوسياسية أو اقتصادية فقط. كانت أيضاً متصلة باللغة والأدب والفلسفة وأسلوب الحياة والمعتقدات. «الامبراطوريات تستطيع البقاء طويلاً كهويات بعد أن تتلاشى كسياسات» (Conant, introduction). كان هناك الكثير من الأفارقة الشماليين من ولاية إفريقيا الرومانية الذين أصبحوا قدوةً وصاروا رموز الحياة الراقية في المتوسط.

لوكيوس أبوليوس Lucius Apuleius  (124 – 170ب.م)

كاتب وفيلسوف افلاطوني. ولد في مدروش (الجزائر)، عاش وتزوج من سيدة طرابلسية. كتب أول رواية إفريقية على الإطلاق هي «التحولات»، المعروفة باسم «الجحش الذهبي».

سبتيموس سفيروس Septimius Severus

 كان جندياً من لبدة الكبرى. حكم روما وأصبح امبراطوراً لمدة 18 سنة (193 – 211). كان يتحدث الفينيقية، ولكنه تلقى تعليمه باللغتين اللاتينية والإغريقية. العائلة السفيرية [الليبية الأصل] حكمت الإمبراطورية لمدة 42 سنة (193 – 235). أحد أصدقائي الأركيولوجيين عثر سنة 2010 على نقش روماني يصف سبتيموس بـ «الروماني» و«العربي» Arabicus.

القديس أغسطين Saint Augustine (354 – 430)

هو أحد أهم آباء الكنيسة في المسيحية الغربية. ولد في ولاية إفريقيا الرومانية (ثاغاست – سوق أهراس –الجزائر) وأصبح أسقف عنابة (هبو ريغيوس- وهو اسم فينيقي). ألهمت كتاباته الثولوجيين والفلاسفة على مر الزمان، خاصة كتابه المهم: مدينة الله. لقد كتبتُ قصة قصيرة بهذا العنوان استلهم فيها هذا العمل العظيم الذي وضعه القديس أغسطين وجعلت فضاءها السردي قرطاج – تونس.

باختصار، نحن نتعامل هنا مع مثال من تحوّل الهويّة في زمن لم يكن كله مؤسساً على احتلال أراضي الآخرين، فزمن كهذا يدعو إلى المقاومة والدفاع لأن أول الأشياء التي تقوم بها الشعوب هي حماية الكيان وتضخيم الهوية. لكن تحولات الهوية لا تعمل إلا في أزمنة السّلم.

مع ماتنغلي Mattingly، وهو أحد أهم الباحثين الذين أفكّر فيهم في مثل هذه الموضوعات، نعرف أن الرومان «في واقع الأمر لم يحاولوا إجبار رعاياهم [الأفارقة] على قبول تركيبة ثقافية غريبة عنهم. ومن المؤكد أن تطوير المدن والحكومات المحلية المؤسسة على قاعدة حضرية اتّبعت نموذجاً متّفقاً عليه. أصبحت اللاتينية لغة رسمية في غرب الإمبراطورية واتخذت بعض الولايات أسماء لاتينية خلال التحرير، والاختلافات الدينية تم حلّها بشكل عام من خلال التوفيق بين المعتقدات، حيث تم ربط الآلهة المحلية بالبانثيون الروماني. كما تم تشجيع الذوق الروماني في الكماليات وإشباع الحاجات من خلال تنمية التجارة والاقتصاد المرتكز على المدن. وخلف مركّب ثقافي محدّد كهذا يمكننا وصف الولايات الإفريقية باعتبارها «أفرومانيّة» Romano-African  (أفريقية – رومانية) مع تأثيرات قوية فينيقية وليبية». (Mattingly, 72). يضيف ماتنغلي: «بسبب أن المستوطنين كانوا قلائل، ولا وجود لمستوطنات خاصة بالجيش في تريبوليتانيا (إقليم طرابلس) ظلت المساهمات الثقافية للسكان المحليين قائمةً وذات أهمية قصوى».  (Mattingly, 73) «التغير الثقافي والاجتماعي الذي حاولت روما إنجازه في الولايات الإفريقية كان سياسياً بالدرجة الأولى، وذلك لخلق ظروف مستقرة لحكومات محليّة مؤسّسة على وجود وانتشار المدن مع وجود اللاتينية كلغة لطبقة الموظفين الرسميين، وهذا النوع من الرومنة تم من خلال كتابة المعاهدات ومنح الجنسية الرومانية وتصدير السلع والخدمات ذات الجدوى الكبيرة، وقد تم التخطيط لذلك بخلق روابط ثقافية بين الرومان والسكان المحليين، فالليبيون لم يكونوا مستهدفين ليصبحوا رومانيين، ولكن كان الهدف هو إقناع الأعداء المحتملين لكي يتماثلوا قليلاً مع الحضارة الرومانية». (Mattingly, 80)

تأسيساً على هذه التحولات التاريخية أصف ليبيا بأنها جغرافيا مرنة استمرت في حراكها منذ استكشافات الإغريق والرومان حتى بدايات القرن العشرين مع اجتياح الإيطاليين. لهذا فإن الليبيين يشعرون بحق أن تاريخ دولتهم الذي بدأ مع أبناء روما القديمة ينتهي مع الإيطاليين أبناء روما الحديثة!

لقد سُمّيت بلادي على اسم ملكة ميثولوجية. إنها مكوّنة من أساطير ورؤى، وهي منفتحة على الاتجاهات الكردناليّة من حيث تتحدّر معاني الكيان.

معنى أن توجد ليبيا (في الزمان والمكان) هو أن تقبل التغيير، والتنوّع، وعدم الاستقرار أيضاً. الهوية (في كل مكان) تتحوّل بين زمن وآخر. فينيقيون، إغريق، رومان، أمازيغ، يهود، طوارق، تبو، أفارقة، أسيويون، أوروبيون. ولكن أيضاً ودائماً: عرب. هذا هو الاسم الذي يجب أن نتوقف عنده كلما ذُكر حتى نستطيع إعادة قراءة التاريخ. أنا أشير إلى «عُزومٍ» تاريخية مختلفة مع قابليات وقدرات أخرى صنعت اسم ليبيا. بالنسبة لي فإن ليبيا – وأنا لا أقصد فقط بلدي – هو اسم يعني العالم في لحظة تشكّلٍ مستمر.

بوصلة التاريخ تقود دائماً إلى مفترق الطرق من خلال ليبيا. لهذا السبب – أفكر في ذلك – يعتقد شعبي أن التاريخ هو ضيف يجب الترحيب به ثم توديعه وتركه يمضي في حال سبيله. التاريخ شيء يساعده شعبي على مواصلة سيره، وهم لا يصرّون على توطّنه بين ظهرانيهم، فهو إذا توقف سوف ينتهي ويموت. نحن بلد وسطيّ ومتوسّط نعرف كيف نرافق التاريخ إلى رحلته دون أن نأسره.  

لقد تمت الإشارة إلى ليبيا في مختلف أزمنة المتوسط. أحياناً بشكل إيجابي جداً، وفي بعض الأحيان بشكل سلبي. لم يكن لها أبداً وضع طبيعي وقارّ ومتوازن كما يتمنى مواطنوها… ربما تعيش ليبيا اليوم أسوأ أيامها، لكننا نأمل الأفضل دائماً. نحن نعرف أنه لا يمكن مقاربة التحسّن دون مرونة وتبادل، ودون مشاركة الآخر.

الآخر

ممارسةُ العالم وتجريبه بوصفه جغرافيا مرنة هو مظهر يؤشّر على ممكنات المستقبل حيث من الممكن للآخر أن يكون شريكاً محتملاً مؤهلاً للتفهّم والقبول والتعامل معه. أنا أشير إلى مفهوم التبادليّة كونها الطريق الوحيدة الصائبة في النظر إلى العالم الذي من حولنا ولجعل الأشياء أفضل. 

الآخرون، وراء الحدود أو خلف البحار، كانوا دائماً مثالاً للغرابة. من الطبيعي أن يبدأ التعامل مع الآخرين بشكل غريب حتى يكتشف الناس أن القبول يقود إلى خلاصات مفيدة. أسمّي هذا «حساسية الانفتاح»، فعندما يتحوّل الغريب إلى مألوف، لن يعود الأمر كما كان أبداً. التعامل بحساسية يقود إلى محيط متحضّر وهكذا يتصعّد المفهوم البدائي الذي يصنعه وجود الآخر. تذكّروا «الغرابة مرتبطة بالفكرة البدائية عن الشخص [الآخر]» كما يقول ريكور. (Ricoeur, 35 – 36)

تصوّر هويات الآخرين لا ينتهي أبداً، لأن الصفات الطبيعية غير النهائية تجعلها مختلفةً وغريبة: الطبقة الاجتماعية، السمة الفيزيائية، السيكولوجية، نمط الحياة، الثقافة، اللهجة، الإعاقة، الجسد، اللغة، التعليم، الإثنية، القومية، الجنس، الجيل، الحرفة، التخصّص، العرق، الدين، طقوس الممارسة الجنسية، الجندر، التوطّن، التحضّر… إلخ. هذه القائمة لا تنتهي، لأنها تعبر عن الجنس البشري. وهذه التنويعة من التقاطعات ليس لها دلالة محدّدة في الواقع ما لم نتمكن من الحديث عن كلّ منها باعتبارها مفهوماً خاصاً في حد ذاته وغير مرتبط بغيره، ذلك أن المفهوم الذاتي، وربما نقول هنا: الهوية الذاتية، هو المصدر الرئيسي لفهم كيف تستطيع الصور المختلقة للهوية أن تتجمّع أو تلتقي في شخص واحد. هذا التصور الذهني يتبع دائماً معرفة الذات، أو الوعي الذاتي، لكن هذا في حد ذاته موضوعُ عدةِ متغيرات وقد يتنوع من شخص إلى آخر ومن مكان إلى آخر ومن زمن إلى آخر. إن أي صورة من هذه الصور – بالطبع – قد يتم بناءؤها كخلاصة تنتج عن التعامل مع الآخرين. أرجو أن أكون دقيقاً في هذا التحليل.

في السعي من أجل تحديد صور – أو تجليات – الهوية المشتركة نقوم بالبحث عن التماثلات  الممكنة، أو نحاول الانتهاء إلى تشابه متخيّل. هذا لا يعني أنني – هذا الشخص بعينه – يستطيع أن يكون آخر، ذلك أن الآخر هو الآخر دائماً. كلّ منا مرتهن للمسافة التي تفصله عن غيره، كلما زادت المسافة بيننا كلما صرنا غرباء أكثر. تشارُكُ الهويةِ التي يمكننا التفكير فيها هو نوع من التبادلية التي تفعّل وتكمل عمليات التبادل التي ينخرط فيها البشر.

بعض الباحثين والكتاب واجهوا صعوبات شتى في رؤية هذا الأمر. أذكر هنتنغتون في «صدام الحضارات» على سبيل المثال، فقد كان متطرّفاً وقاسياً في خريطته الخاصة بالحضارات لكي يثبت التصادم بين الحدود والتخوم التي رسمها. نستطيع خارج الحدود السياسية أن نرى المرونة والهشاشة التي يرتبط بها الأفراد بعضهم ببعض، وهذا يمكّنهم من تمديد حدودهم ويمنحهم معنى للقاء والتبادل بشكل سلمي. المرونة شرط مبدأي لتقديم الآخر باعتباره شريكاً محتملاً، وهي (أي المرونة) تنتهي دائماً وبشكل إرادي إلى إرضاء متطلبات حق التشارك في الحياة. لا أحد يوجد وحيداً بشكل دائم وإلى الأبد.

يعتبر التدفق العالمي المتسارع للسلع والأفكار والبشر ورأس المال تهديداً – إلى حد كبير – للثقافات القومية، لكن من ناحية أخرى هناك منافع، أو مصالح، يكتسبها البشر في مختلف أنحاء العالم. تبادل السلع والأفكار في الواقع يدعم ويعمل من أجل تقريب الهويّات. لا شك أن هذه العملية يتم التحكم فيها من الغرب الآن، لكن كل منا يعرف أن هذا يعود إلى القابلية والقدرة على توجيه الموارد والتعامل معها. العالم مقبل على الانفتاح أكثر، ومقبل مع مرور الزمن على دمج الحدود. وتقدّم الأمم هذا يتم ببطء شديد، ربما لا نتمكن من تمييزه كلما كنا منخرطين في أحد أجزائه أو دوراته الصغيرة، ولكننا نستطيع رؤيته إذا تعاملنا مع الصورة الكبرى لعملية التاريخ وإجرائيته. التهديد في الواقع يتم استعماله كآلية للدفاع عن – لنقل ذلك – «الفرادة القومية» وتحصين الخصوصية الثقافية، وهو يستعمل سياسياً معظم الوقت، لكن كيف لسمات العزلة هذه أن تتمكن من مواجهة إرادة مواطني العالم ورغبتهم في تبادل الأفكار والتشارك في موارد الحياة؟

إن المشاكل الثقافية في أي دولة شمال إفريقية أو شرق أوسطية يمكن حلّها باستيعاب واستعمال سياسة التعدد الثقافي، لكن ليس فقدان الهوية الثقافية هو الذي يقلق الأنظمة والحكومات بقدر ما هو فقدان مصالح وامتيازات الحكم. ربما يرى السياسيون في مختلف البلدان أن التقريب بين الهويات يشكل تهديداً، بينما هذا الأمر هو فعلاً أهم ما حلمت به البشرية. وفي رأيي فإن العالم يحتاج إلى مثل هذا التهديد كل يوم، بل يجب أن يُسرَّع ويستمر من أجل مصلحة الهوية المشتركة والمتبادلة باتجاه الوصول إلى جنسية فوق – وطنيّة لكل شخص أينما كان.

نحو جنسية أمميّة

تبدو الجنسية العابرة للقوميات أو فوق – الوطنية Supranational citizenship كما لو أنها طرح مستقبلي، بغض النظر عن حقيقة أن المصطلح يعود إلى أربعينيات القرن العشرين، عندما كتب ألبرت أينشتاين عن supranational organization وكان يتحدث عن «الحرب» وإمكانية التحكم بالجيوش والأسلحة النووية.

الجنسية الأوروبية كنتيجة للمعرفة المتبادلة لـلانتماء (وبه) هي أكثر الأمثلة المعروفة في العالم لجعل التنوّع تفاعلاً إيجابياً وممارساً في الواقع ومرتبطاً بالمعاش والحياة اليومية. ولأنني عربيّ من شمال إفريقيا ربما أتحدث هنا عن الجنسية القاريّة، أكثر مما أستطيع أن أفعل بخصوص الجنسية فوق – الوطنية، حالماً أن هذا الاصطلاح (أعني supranational) يجب أن يؤجّل قليلاً لكي يُدمج مع مصطلحات أخرى يتم تداولها في الأدبيات «الإنسانية»، لنفكر مثلاً في: الكوني cosmopolitan، العالمي universal، الإنساني humanitarian. نحن نعرف أن فوق – الوطني، وفوق – القومي موجودان في مكان ما بدءا من الفدرالي والكونفدرالي وصولاً إلى اتحاد الدول والكيانات الموحّدة.

يجادل السوسيولوجي فرانكو كاسانو Franco Cassano في كتابه pensiero meridian أن الدلالة العليا للمتوسّط تتمثّل في تألّفه من «القدرة على تحويل حدودنا إلى مصلحة مشتركة، ذاكرة تراجيدية في القتال ضد كل أشكال الأصولية»، ذلك أن المتوسّط يستطيع أن يصبح مرة أخرى مهداً لعصر جديد من النهضة إذا تمت تلبية الشروط التي يتطلّبها إنجاز الجنسية فوق – الوطنية». (Gianluca, 94)

جيانلوكا سوليرا Gianluca Solera في كتابه الثوري Citizen Activism and Mediterranean Identity يقترح خطوة أخرى إلى الأمام «عن طريق بناء منصّة متوسطية من أجل البدائل الاجتماعية الجديدة، إنه أمر ملحّ في أوقات الأزمة العميقة في أوروبا والبحر المتوسط». (Gianluca, 94). «تاريخ تراكب الحضارات المتعددة، والقيم المشتركة التي تجسدها الشعوب، [ذلك يعني] الشعور القوي الذي يبديه المجتمع، والتمسك بالأسرة، ومذاق الأشياء الجميلة، والاتصال العميق بالأرض والطعام، ومراسم الضيافة، والروحانية، والإبداع، وبذل المجهود، وقبول التعايش مع الآخر». (Gianluca, 94)

أنا معجب فعلاً بكتابات سوليرا، وأنا أقدّره شخصياً، وأشعر أنه يعبر عن عدد كبير من مثقفي بلدان المتوسّط، خاصة عندما يقول، وأنا أقتبس: «يوجد الآن زخم فضاء جديد من المشاركة السياسية والاجتماعية من أجل التكامل الإقليمي حول دول المتوسط. الأمر متروك لمبادرات الحركات والمواطنين لإدراك هذه الفرصة التاريخية، والمساهمة في تقاسم المصير المشترك في المنطقة بأسرها، بين الشرق والغرب، بين أوروبا والعرب. إنه مصير مشترك لا تستطيع الحكومات تصوره لأنهم سجناء مصالحهم الوطنية، ومصالح الشركات، وسجناء أيديولوجياتهم المؤسسة على الهوية، وعلى النماذج الثقافية القديمة».  (Gianluca, 94). أنا أتفق تماماً مع دعوته العملية لوجود حركة جماهيرية متجذّرة تؤدي إلى التجنّس بهويّة البحر المتوسط، وصولاً إلى هويّة فوق – وطنية تعزّز النضال الثوري الجماهيري للنشطاء والمنظمات حول ضفّتي المتوسط، وتخلص إلى خارطة طريق ثقافية وسياسية تقدّم تصوراً جديداً عن الانتماء إلى فضاء مشترك من أجل إعادة توزيع واستخدام ومشاركة الموارد والقضاء على السرديّات المؤسسة على الهوية.

والآن عودة إلى أينشتاين. لم يكن الخوف من الحرب هو الذي جعله يلمس أهمية الجنسية فوق – الوطنية، ويراها ضرورة ملحّة، لكنها الحاجة إلى رؤية مستقبل العالم بشكل مختلف حقاً.

أخيراً

بقدر ما نحن مهتمون وقلقون، وفي ما يتعلق بنا، نحن مثقفو ومفكرو وفلاسفة وكتّاب وشعراء بلدان المتوسط الحالمون بمستقبل أفضل، أعتقد أن التفاعل بين الثقافات والتنوع الدائم أمر حساس وضروري جداً من أجل التشارك في حياة سلميّة، قيّمة، ولها معنى. ذلك المعني الإنساني الذي نتصوّره.

لأخلص الآن إلى ختام هذه المحاضرة سأعرض خطوات عملية وممكنة، أو برنامج عمل مفتوح يتأسّس على ما يلي:

  • استكشاف إمكانيات التفاعل الحالي بين الثقافات وتفعيل ومواصلة التبادل بين ضفتي المتوسط.
  • تنظيم حملات مفتوحة بمشاركات عبر متوسطيّة حول حرية التعبير وحرية الضمير وتعزيز التشارك والتضامن عبر ساحلي المتوسط.
  • الربط بين الحركات الشعبية المختلفة وجمع نشطاء المتوسط في ملتقى دائم.
  • صياغة بيان يدعو إلى تحويل المتوسط إلى فضاء مشترك متكامل، يعتمد على التبادلية الثقافية.
  • إعداد وصياغة لوائح قانونية تدعم الهوية المتوسطية وتقترح معايير للجنسية عبر- الوطنية.
  • القيام بأنشطة ثقافية دائمة على الشاطئين، مثل:
  • تنظيم ندوات وحلقات نقاش مفتوحة لمقاربة الهوية المشتركة والجنسية عبر المتوسطية بالاعتماد على الخلفية الثقافية والأوضاع السياسية.
  • التبادل الصحفي الحر وعقد اللقاءات بين الصحفيين من شمال إفريقيا وجنوب أوروبا.
  • عقد تجمعات الترفيه الفني والمهرجانات الفولكلورية والسينمائية والمعارض التشكيلية.
  • عقد أمسيات شعرية وأدبية ونقدية تدارسيّة.
  • ترجمة الأعمال الشمال إفريقية ونشرها في أوروبا، والأعمال الأوروبية ونشرها في جنوب المتوسط.

هناك بالطبع أفكار شبيهة، وأخرى متطورة عن هذه المقترحات، أرجو أيها الرفاق أن أسمع منكم المزيد، وأنا آمل أن توضع كل النقاط في برنامج واحد وأن يتم التفكير فيها بصوت مسموع. نحن جميعاً على ضفتي المتوسّط الأخّاذ لن نتخلى عن هذا الحلم الجميل، أبداً.

شكراً لكم جميعاً.

■ ■

مراجع:

  • Boccaccio, Giovanni. Famous Women, trans. Virginia Brown. Harvard University Press 2001
  • Conant, Jonathan. Staying Roman: Conquest and Identity in Africa and the Mediterranean, Cambridge University Press, UK, 2012
  • Formez, Shared Identities and Cultures in the Mediterranean, Centre for Administrative Innovation in the Euro-Mediterranean Region. pdf pub.
  • G. S. Poiycratis. The Influence of the Ancient Mediterranean Civilization on the Development of Human Cultures. Annals of the MBC, vol. 5, n’ 1, March 1992
  • Huntington, Samuel P. The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order. Simon and Schuster, New York, 2011
  • Mahjoub, A.Monem. The Question of Entity. Independent Editions, Cairo, 2014 
  • Mattingly, D. J. Libyans and the ‘Limes’: Culture and Society in Roman Tripolitania. Antiquites Africaines, t. 23, 1987, p. 71-94
  • McGrath, Alister E. Historical Theology: An Introduction to the History of Christian Thought. Malden, MA: Blackwell, 1998
  • Ricoeur, Paul. Oneself as Another. Trans, Kathleen Blamey, The University of Chicago press, 1992
  • Solera, Gianluca. Citizen Activism and Mediterranean Identity: Beyond Eurocentrism. algrave Macmilan, Italy, 2017

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى