“هيومن رايتس ووتش” .. التجربة والتأثير

تبرز أهمية المنظمات الحقوقية الدولية في الوقت الراهن من خلال أدوارها المتعددة في مجال حقوق الإنسان، خصوصاً في المناطق والدول التي تشهد صراعات مزمنة. وفي ظل غياب الاستقرار السياسي والمؤسسات التي تضطلع بتطبيق مبادئ العدالة الرامية إلى تعريف الحقوق والواجبات وسقف الحريات، تنتشر الانتهاكات بمختلف أنواعها بسبب غياب العدالة، فضلاً عن أن الدولة نفسها بمؤسساتها قد تكون الجهة الأكثر انتهاكاً لتلك الحقوق باسم حماية الدولة ومحاربة المخربين والإرهابيين، ولذا يحاول كثير من المنظمات المحلية والدولية على حد سواء رصد تلك الانتهاكات وتوثيقها في سبيل خلق تأثير قد يسهم في ردع تلك الجهات عن مواصلة انتهاكاتها.

وعلى الرغم من أن مهمة المطالبة بالعدالة ورصد الانتهاكات تتقاسمها كل من المنظمات المحلية والدولية على حد سواء، فإن المنظمات الدولية تتفوق على المحلية بقدرتها على خلق ضغط حقيقي على الجهات المنتهكة، خصوصاً إن كانت ذات سلطة كالدول أو الجهات المتنفذة، وذلك من خلال كشف انتهاكاتها الممنهجة التي تجعل من الصعب تجاوز تلك الانتهاكات على مستوى دولي- خصوصاً من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية والمنظمات الدولية المتعاونة- فيما يتعلق بتمرير صفقات أسلحة أو علاقات تجارية واقتصادية، بما يشكل بمجمله وسيلة ضغط على تلك الجهات لتتوقف عن انتهاكاتها من أجل تمرير مصالحها على مستوى دولي.

ولعل من أبرز المنظمات الحقوقية الفاعلة في هذا الجانب على مستوى دولي منظمة مراقبة حقوق الإنسان “هيومن رايتس ووتش”، التي اكتسبت صيتها من خلال نفوذها في المنظمات الدولية، وسعة انتشارها في مختلف دول العالم، إضافة إلى آلياتها الممنهجة في إعدادها لتقارير حقوق الإنسان وسعيها من خلال أدوارها وشراكاتها المختلفة لخلق تأثير فيما يتعلق بوقف الانتهاكات الإنسانية في مختلف دول العالم.

تسلط هذه الورقة البحثية الضوء على هذه المنظمة من أجل نقل تجربتها العالمية، وتوضيح خلفيات نشأتها وتأسيس أدوارها وأسباب انتشارها ومدى فاعليتها، وماهية موضوعيتها، خصوصاً أنه وجه لها النقد أكثر من مرة فيما يتعلق بمصداقيتها وحيادها، وذلك في سبيل خلق تقييم موضوعي لدور هذه المنظمة وتأثيرها فيما يتعلق بملف الحريات وحقوق الإنسان.

حقوق الإنسان: النشأة والتطور

تشكل مفهوم حقوق الإنسان على مراحل تاريخية متنوعة، أسهمت الأطروحات الفكرية والأحداث السياسية التاريخية بدور كبير في تحديد معالمه وأبعاده، فبدءاً من الإسهامات الفلسفية للحضارات القديمة كحضارة وادي الرافدين التي وثقت أقدم قانون مدون في تاريخ البشرية المتمثل بـ”شريعة حمورابي” أشهر ملوك بابل حوالي عام ألفين قبل الميلاد[1]، مروراً بالحضارتين اليونانية والرومانية اللتين اتسمتا بوجود نظام طبقي يقسم المجتمع إلى طبقتين هما طبقة الأشراف وطبقة العامة،فهو وإن لم يعترف للطبقة العامة بحقوق المواطنة، فمُنعوا من المشاركة في المجالس الشعبية، وحرموا المساواة أمام القضاء وأمام القانون[1]، فقد اتسم بتنظيم الحقوق التي تمتعت بها طبقات الأشراف ووسعت لتشمل عدداً أكبر من الفئات عبر مراحل تاريخية متفاوتة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى